الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
262
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
مُخْرَجُونَ « 1 » [ المؤمنون : 35 ] . وقوله : وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرائِيلَ عَنْكَ عطف على إِذْ أَيَّدْتُكَ وما عطف عليه . وهذا من أعظم النعم ، وهي نعمة العصمة من الإهانة ؛ فقد كفّ اللّه عنه بني إسرائيل سنين ، وهو يدعو إلى الدين بين ظهرانيهم مع حقدهم وقلّة أنصاره ، فصرفهم اللّه عن ضرّه حتى أدّى الرسالة ، ثمّ لمّا استفاقوا وأجمعوا أمرهم على قتله عصمه اللّه منهم فرفعه إليه ولم يظفروا به ، وماتت نفوسهم بغيظها . وقد دلّ على جميع هذه المدّة الظرف في قوله : إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّناتِ فإنّ تلك المدّة كلّها مدّة ظهور معجزاته بينهم . وقوله : فَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ تخلّص من تنهية تقريع مكذّبيه إلى كرامة المصدّقين به . واقتصر من دعاوي تكذيبهم إيّاه على قولهم إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ ، لأنّ ذلك الادّعاء قصدوا به التوسّل إلى قتله ، لأنّ حكم الساحر في شريعة اليهود القتل إذ السحر عندهم كفر ، إذ كان من صناعة عبدة الأصنام ، فقد قرنت التوراة السحر وعرافة الجانّ بالشرك ، كما جاء في سفر اللاويّين في الإصحاح العشرين . وقرأ الجمهور : إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ ، والإشارة ب هذا إلى مجموع ما شاهدوه من البيّنات . وقرأ حمزة ، والكسائي ، وخلف إلا ساحر . والإشارة إلى عيسى المفهوم من قوله : إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّناتِ . ولا شك أنّ اليهود قالوا لعيسى كلتا المقالتين على التفريق أو على اختلاف جماعات القائلين وأوقات القول . [ 111 ] [ سورة المائدة ( 5 ) : آية 111 ] وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنا مُسْلِمُونَ ( 111 ) يجوز أن يكون عطفا على جملة إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ [ المائدة : 110 ] ، فيكون من جملة ما يقوله اللّه لعيسى يوم يجمع الرسل . فإنّ إيمان الحواريّين نعمة على عيسى إذ لو لم يؤمنوا به لما وجد من يتّبع دينه فلا يحصل له الثواب المتجدّد بتجدد اهتداء الأجيال بدينه إلى أن جاء نسخه بالإسلام . والمراد بالوحي إلى الحواريّين إلهامهم عند سماع دعوة عيسى للمبادرة بتصديقه ، فليس المراد بالوحي الذي به دعاهم عيسى . ويجوز أن يكون الوحي الذي أوحي به إلى
--> ( 1 ) في المطبوعة : ( أإذا متنا وكنّا ترابا وعظاما إنّا لمخرجون ) وهو خطأ .